السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

403

مفاتيح الأصول

حيثما يحصل الشك فيه وهو مستلزم لثوران الفتنة غالبا فلا يليق بمنصب الشرع فتأمل وللقول الثاني وجوه الأول أصالة عدم ثبوت الحقوق بشهادة المفروض وهي وإن كانت معارضة بأصالة بقاء العدالة ولكنها أولى بالترجيح لتعددها بتعدد الحقوق سلمنا عدم الترجيح ولكن لا أقل من التوقف فلا يصح الاستناد إلى استصحاب العدالة الَّذي هو عمدة أدلة القول الأوّل وفيه نظر فإن اللازم هنا ترجيح الاستصحاب المذكور أما أولا فلاعتضاده بالشهرة العظيمة وغيرها من الوجوه المتقدمة وأما ثانيا فلأنه من استصحاب الموضوع وهو في مثل المقام مما ينبغي ترجيحه كما ينبغي ترجيح أصالة بقاء الطَّهارة حيث يحصل الشك في زوالها على أصالة بقاء اشتغال الذّمة بالمشروط بها الثاني قاعدة الاحتياط وفيه أن الاستصحاب أولى منه من وجوه عديدة الثالث العمومات المانعة من الاعتماد على غير العلم خرج منها شهادة من ثبت انتفاء عدالته ولا دليل على خروج المفروض فيبقى مندرجا تحتها وفيه نظر من وجوه والمعتمد عندي في المسألة هو القول الأول وينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا فرق في الحكم ببقاء العدالة حيث شك فيه بين الشاهد والمخبر والإمام وغيرهم ممن يعتبر عدالته الثاني لا فرق في ذلك أيضا بين كون ثبوت العدالة أولا بطريق العلم أو غيره من الأسباب الشرعية المثبتة لها الثالث هل يتوقف الحكم بالبقاء واستصحابه على عدم حصول الظن بالارتفاع أو لا فيه إشكال والتحقيق إن كان الظن بالارتفاع مما جعله الشارع حجة فلا إشكال في التوقف وإن لم يعلم بحجيته فالأقرب عدم التوقف كما يستفاد من جملة من الكتب ففي الشرائع لو ثبتت عدالة الشاهد حكم باستمرار عدالته حتى يتبيّن ما ينافيها وفي القواعد وإذا ثبت عدالة الشاهد حكم باستمرارها حتى يظهر منافيها وفي الإرشاد ومع ثبوت العدالة يحكم باستمرارها وفي التحرير ومع ثبوت العدالة يحكم بالاستمرار عليها إلى أن يظهر المنافي وفي الكشف وإذا ثبت عدالة الشاهد عند الحاكم حكم باستمرارها حتى يظهر منافيها فيقبل شهادته أبدا ما لم يظهر المنافي من غير تجديد استزكاء الرابع قال في القواعد والكشف والأحوط أن يطلب التزكية مع مضي مدة يمكن تغير حال الشاهد فيه عادة وذلك بحسب ما يراه الحاكم من طول الزمان وقصره وفي مجمع الفائدة ولا يبعد الاستحباب للاحتياط وهو مثل رجوع المجتهد إذا لم يحفظ الدليل انتهى وما ذكروه جيّد الخامس لا فرق في الحكم ببقاء العدالة حيث يشك فيها بين ثبوتها أولا عند الحاكم أو عند غيره مفتاح إذا زكى الراوي وعدّله عدل واحد فهل يجوز الاكتفاء بذلك في الحكم بعدالته فيكون التزكية مما يثبت بشهادة الواحد أو لا بل لا يثبت العدالة إلا بشهادة العدلين ككثير من الموضوعات المشتبهة اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنه لا يثبت العدالة إلا بشهادة العدلين وهو للمعارج والمنتقى والمعالم والمحكي في الثاني والنهاية والإحكام عن جماعة وقوم من الأصوليين وفي غاية المأمول ذهب إليه المحقق وأتباعه الثاني أنه يثبت ذلك بشهادة العدل الواحد وهو للمبادي والتهذيب والمنية والزبدة ومشرق الشمسين والدراية وشرحها ومجمع الفائدة بل في جملة من الكتب دعوى الشهرة عليه ففي النهاية ذهب إليه الأكثر وفي الدّراية وشرحها وفي الاكتفاء بتزكية الواحد العدل في الرواية قول مشهور لنا ولمخالفينا وفي المنتقى المشهور بين أصحابنا المتأخرين الاكتفاء بذلك وفي مشرق الشمسين ذهب أكثر علمائنا إلى أن العدل الواحد الإمامي كاف في تزكية الراوي وأنه لا يحتاج فيه إلى عدلين كما يحتاج في الشهادة وفي غاية المأمول ذهب إليه المصنف والعلامة وسائر المتأخرين وفي الإحكام والمختصر وشرحه الذي عليه الأكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرّواية دون الشهادة وزاد في الأول وهو الأشبه للأولين وجوه منها الأصل ومنها العمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج منها شهادة العدلين بالدليل ولا دليل على خروج شهادة العدل الواحد فيبقى مندرجة تحتها وربما أشار إلى هذا في المنتقى والمعالم بقوله لنا أن اشتراط العدالة في الراوي يقتضي اعتبار حصول العلم بها وظاهر أن تزكية الواحد لا يقبله بمجردها والاكتفاء بالعدلين مع عدم إفادتها العلم إنما هو لقيامه مقامه شرعا فلا يقاس عليه واعترض عليه في مشرق الشمسين فقال استدل على اشتراط التعدد في التزكية بأن اشتراطهم عدالة الراوي يقتضي توقف قبول روايته على حصول العلم بها وإخبار العدل الواحد لا يفيد العلم وجوابه أنك إن أردت العلم القطعي فمعلوم أن البحث ليس فيه وإن أردت العلم الشرعي فحكمك بحصوله من رواية العدل الواحد وعدم حصوله من تزكيته وكيف يدعى أن الظن الحاصل من إخباره بأن هذا قول المعصوم عليه السلام وفعله أقوى من الظن الحاصل من إخباره بأن الراوي الفلاني إمامي المذهب أو واقفي أو عدل أو فاسق ونحو ذلك فلعلك تقول بتساوي الظنين في القوة والضعف ولكنك تزعم أن الظن الأول اعتبره الشارع فعولت عليه وأما الآخر فلم يظهر لك أن الشارع اعتبره فيقال لك كيف ظهر عليك اعتبار الظن الأول إن استندت في ذلك إلى ظن إجماع فالخلاف الشائع في العمل بأخبار الآحاد يكذب ظنك كيف وجمهور قدمائنا على المنع منه بل ذهب بعضهم إلى استحالة التعبد به كما نقله عنهم المرتضى وإن استندت فيه إلى ما يستدل به في الأصول على حجية خبر الواحد فأقرب تلك الدلائل إلى السلامة آية التثبت وقد علمت أنها كما تدل على اعتبار